قال الله تعالى:( . . . وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ومازاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزّا" فما أعظم ذاكم الإنسان الذي باع نفسه وماله وعرضه لوجه الله تعالى فيعفو عن من ظلمه أو تعدى عليه أو أخطأ في حقه ابتغاء وجه الله تعالى فهؤلاء هم عظماؤنا وكبراؤنا ومن نفخر بهم ونباري . والمشكلة أن الدنيا طغت على كثير من الناس فأصبحوا من أجلها يموتون ويحيون ويبغضون ويحبون ويعادون ويوالون ويكرمون ويهينون،أصبح هم الواحد منهم نفسه وولده وماخصّه هو وأما أمر غيره فما يعنيه فإذا ماحصل تجاهه خطأ ما فما هو إلا الانتقام والقصاص ولا عفو ولا تجاوز عن أي أحد مهما عظم عند الله وعند الناس مهما كان خطؤه! وهؤلاء لن يصلوا إلى شيء وسوف يطلبون العفو يوماً ما وقد لا يجدونه لأن الجزاء من جنس العمل،والمشكلة الكبرى أن الكثير من الناس يرون أن العفو ضعف أو نقص وقد أبعدوا النجعة فأين الدين والخلق والتسامح والحرص على الأجر والثواب والطمأنينة وراحة البال ونفع الناس. انظروا معي إلى هذه القصة الرائعة الجميلة لرجل أصبح في العفو مثلاً وفي التجاوز رمزاً رغم علو منصبه ورفعة مكانته إنه معن بن زائدة رحمه الله تعالى لمّا تولى إمارة العراق،أتاه أعرابي يختبر حلمه ، فدخل عليه دون أن يِِؤذن له فلما مثل بين يديه قال له:
أتـذكر إذ لحافـــك جـلـــد شـــــاةٍ *** و إذ نعـــــلاك من جلــــد البعير
قال معن : نعم أذكر ذلك ولا أنساه. قال الأعرابي:
فسبحـــان الـذي أعطاك ملـــــكـا *** وعلمـك الجلــوس على السـرير
قال معن : سبحانه له الحمد على كل حال . قال الأعرابي :
فلـسـت مسـلّـماً مـا عشــت يـوماً *** عــلى معن بـتـسـلـيـــم الأمــــير
قال معن : إن السلام سنة يا أخا العرب ، تأتى به كيف شئت. قال الأعرابي :
سأرحـــل عــن بــلاد أنت فيـــها *** ولو جــار الزمان على الفقـــير
قال معن : إن أقمت فينا فمرحباً بك، وإن رحلت عنا فمصحوباً بالسلامة
قال الأعرابي :
فـجــد لي يا بن ناقــصــــةٍ بمالٍ *** فـإني قد عـــزمت على المسيــر
قال معن : يا غلام أعطه ألف دينار، فأخذها الأعرابي و قال:
قــلــيـــل مــا أتـيــتَ بــه وإنــى *** لأطمـــعُ مـنـك بـالـمـال الكثــير
فـثـنِّ فـقـد أتـاك المـلــك عفـــواً *** بــــلا عــقـــل ولا رأي مـنـيـــر
قال معن : يا غلام أعطه ألف دينار أخرى ، فأخذها الأعرابي ، و قال:
ســألـت الـله أن يبقــيك ذخـــرا *** فمـــالـك فـي الـبــرية من نظــير
فـمـنـك الـجــود والأفضال حـقاً *** وفيـض يــديــك كالبحـر الغزيـر
قال معن لغلامه : أعطه ألف دينار أخرى ، فأخذها الأعربي و قال:
أيها الأمير إنما جئت مختبراً حلمك لما بلغنى عنك ، فلقد جمع الله فيك من الحلم ما لو قسم على أهل الأرض لكفاهم .قال معن يا غلام كم أعطيته على نظمه ؟
قال ثلاثة آلاف دينار. قال أعطه على نثره مثلها. فأخذها الأعرابي فرحاً مسروراً شاكراً للأمير معجباً أيما إعجاب بما رأى من حلمه وسعة صدره رحمه الله
أولـئـك آبـائـي فجئني بمثلهم *** إذا جـمـعـتـنـا يا أُخيّ المجامعُ .